أحمد زكي صفوت

202

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

بالحجز « 1 » والأطواق من العذاب الشديد : « وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ . وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ . إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ . ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ . وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ . وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ . وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ : لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ » ، صلى اللّه عليه وعلى آله صلاة تقوم ببعض حقّه الأكيد ، وتسرى إلى تربته الزّكية من ظهور المواجد الجائية على البريد : قعدت لتذكير ، ولو كنت منصفا * لذكّرت نفسي فهي أحوج للذّكرى إذا لم يكن منى لنفسي واعظ * فيا ليت شعري كيف أفعل في الأخرى ؟ آه ، أىّ وعظ بعد وعظ اللّه تعالى يا أحبابنا يسمع ، وفي ما ذا - وقد تبيّن الرّشد من الغىّ - يطمع ؟ يا من يعطى ويمنع ، إذا لم تقم الصنيعة فما ذا نصنع ؟ اجمعنا بقلوبنا يا من يفرّق ويجمع ، وليّن حديدها بنار خشيتك ، فقد استعاذ نبيّك صلى اللّه عليه وسلم من قلب لا يخشع ، ومن عين لا تدمع : اعلموا رحمكم اللّه أن الحكمة ضالّة المؤمن يأخذها من الأقوال والأحوال ، ومن الجماد والحيوان ، وما أملاه الملوان « 2 » ، فإن الحق نور لا يضرّه أن صدر من الخامل ، ولا يقصّر بمحموله احتقار الحامل ، وأنتم تدرون أنكم في أطوار سفر لا تستقرّ لها دون الغاية رحلة ، ولا تتأتّى معها إقامة ولا مهلة ، من الأصلاب إلى الأرحام إلى الوجود ، إلى القبور إلى النّشور إلى إحدى دارى البقاء ، أفي اللّه شك ؟ فلو أبصرتم مسافرا في البرّيّة يبنى ويفرش ، ويمهّد ويعرّش ، ألم تكونوا تضحكون من جهله ، وتعجبون من ركاكة عقله ؟ وو اللّه ما أموالكم ولا أولادكم ، وشواغلكم عن اللّه ، التي فيها اجتهادكم ، إلا بقاء سفر « 3 » في قفر ، أو إعراس

--> ( 1 ) الحجز جمع حجزة كفرصة : وهي معقد الإزار ، ومن السراويل موضع التكة . ( 2 ) الملوان : الليل والنهار . ( 3 ) السفر : جماعة المسافرين .